عبد الشافى محمد عبد اللطيف

37

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

الأسباب التي حملت ابن إسحاق على مغادرة مسقط رأسه - المدينة المنورة - إلى العراق . ونحن لا ننكر أمر الخلاف الذي بين ابن إسحاق وبين كل من مالك بن أنس وهشام بن عروة ، فهذا الخلاف مشهور ، ومسطور المصادر الموثوق منها . ولكننا لا نرى أنه وصل إلى حد العداوة التي حملت ابن إسحاق على مغادرة موطنه ، فالخلاف بين بعض العلماء - والقائم في معظمه على اختلاف وجهات النظر في المسائل العلمية - لم يكد بخلو منه جيل ولا قبيل من العلماء ، وهذه طبيعة البشر في كل زمان ومكان ، والمعاصرة حجاب كما يقولون . ورغم ذلك لم نسمع أن عالما ترك وطنه ورحل إلى غيره من أجل خلاف حدث بينه وبين بعض أقرانه ، ثم لو كان ذلك الخلاف هو سبب مغادرة ابن إسحاق المدينة المنورة ، فلماذا بقي فيها نصف قرن قبل مغادرتها عند سقوط الدولة الأموية ؟ ! . وبعد : فلعلك أيها القارئ الكريم قد تاقت نفسك إلى معرفة شيء من أمر هذا الخلاف الذي وقع بين هؤلاء الرجال الكبار والعلماء الأفذاذ ، ولا تثريب علينا في إيراد ذلك الخلاف ومعرفته ، فهؤلاء ليسوا ملائكة ، وإنما هم بشر ، يختلفون ويحبون ويكرهون بل ويتعادون ، وليس في ذلك خروج على طبائع الأشياء ، بشرط ألا يحمل ذلك أحدهم على الفحش والفجور في حق من يخالفه أو يخاصمه ، وأعتقد أن الأمر بينهم لم يصل إلى شيء من هذا ، وحاشا لله أن يصل إلى هذا وهم من هم علما وتقى وصلاحا ، ونحن نورد أمر هذا الخلاف ، لما كان له من أثر على موقف بعض العلماء من ابن إسحاق ، خاصة في روايته للحديث . وفيما يتعلق بالخلاف بين ابن إسحاق ومالك بن أنس تتحدث المصادر فتذكر أن ابن إسحاق كان يطعن في نسب الإمام مالك بن أنس الأصبحي - الذي ينسب إلى قبيلة أصبح العربية اليمنية - ويزعم أنه مولى من موالي بني تميم ، ولا ندري كيف يقول ابن إسحاق ذلك عن مالك في مقام الانتقاص منه ، وهو نفسه مولى ؟ ! وكون الإنسان مولى لا ينتقص من قدره خاصة في أوساط العلماء والولاء هنا هو ولاء المحالفة والمودة وليس ولاء العبد للحر . وقد كان هناك رجال من الموالي العلماء الذين حازوا احترام كل الناس من عرب وعجم ، مثل الحسن البصري - الذي قيل : إنه عندما توفي ( سنة 110 ه‍ ) في البصرة -